صفوان
بن المعطل السُلمي
هو الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا فيه مع
عائشة رضي الله عنهما، فبرأهما الله مما قيل
فيهما ، وقد أعترض حسان بن ثابت بالسيف لما
قذفه به من شعر الإفك وضربه .
ويكنى : أبا عمرو ، ويقال : إنه أسلم
قبل المريسيع ، وشهد مع الرسول غزوة الخندق
والمشاهد كلها بعدها ، وكان مع كرز بن جابر
الفهري في طلب العرنيين الذين أغاروا على
لقاح النبي – صلى الله عليه وسلم - .
وتحكي
لنا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي
الله عنها وعن أبيها قالت : كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه
، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فلما كان
غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه ، كما كان
يصنع ، فخرج
سهمي عليهن معه ، فخرج بي رسول الله . قالت : و
كان النساء إذ ذاك يأكلن العلق لم يهجهن اللحم
فيثقلن ، و كنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي
، ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحلون لي
فيحملونني ، و يأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه
فيضعونه على ظهر البعير ، فيشدونه بحباله ، ثم
يأخذون برأس البعير فينطلقون به . فالت : فلما
فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك
وجه قافلاً حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل
منزلاً فبات به بعض الليل ، ثم أذن مؤذن في
الناس بالرحيل فارتحل الناس و خرجت لبعض
حاجتي ، و في عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما
فرغت انسل من عنقي و لا أدري ، فلما رجعت إلى
الرحل ذهبت التمسه في عنقي فلم أجده ، و قد اخذ
الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت
إليه فالتمسته حتى و جدته ، و جاء القوم خلافي
الذي كانوا يرحلون لي البعير و قد كانوا فرغوا
من رحلته ، فأخذوا الهودج و هم يظنون أني فيه ،
كما كنت أصنع ، فاحتملوه فشدوه على البعير ، و
لم يشكوا أني فيه ، ثم أخذوا برأس ، البعير
فانطلقوا به ، فرجعت إلى العسكر و ما فيه داع و
لا مجيب ، قد انطلق الناس قالت : فتلففت
بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني و عرفت أن لو
افتقدت لرجع الناس إلي . قالت فو الله إني
لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وأسمه
الكامل صفوان بن معطل بن رميضه بن
خزاعي بن محارب بن مرة بن فالج بن ذكوان بن
ثعلبة بن بهثة بن سليم . و
كان تأخره بسبب ثقل نومه ، فرأى سوادي فاقبل
حتى و قف علي و قد كان يراني قبل أن يضرب علينا
الحجاب ، فلما راني قال : إنا لله و إنا إليه
راجعون ، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
؟ و أنا متلففة في ثيابي . قال : ما خلفك يرحمك
الله ؟ قالت : فما كلمته . ثم قرب إلي البعير
فقال : اركبي و استأخر عني . قالت : فركبت و أخذ
برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ، فو
الله ما أدركنا الناس و ما افتقدت حتى أصبحت ،
ونزل الناس ، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي
، فقال أهل ، الإفك ما قالوا ، و ارتج العسكر و
والله ما أعلم بشيء من ذلك ، ثم قدمنا المدينة
فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة لا يبلغني من
ذلك شيء . و قد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وإلى أبوي لا يذكرون لي منه
قليلاً و لا كثيرا ، إلا أني قد أنكرت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي كنت إذا
اشتكيت رحمني و لطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في
شكواي ، ذلك فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل علي
و عندي أمي تمرضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على
ذلك ، قالت : حتى وجدت في نفسي ، فقلت : يا رسول
الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي : لو أذنت لي
فانتقلت إلى أمي فمرضتني ، قال : لا عليك ،
قالت : فانتقلت إلى أمي و لا علم لي بشيء مما
كان ، حتى نقهت من وجعي بعد بضع و عشرين ليلة ،
و كنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه
الكنف التي تتخذها الأعاجم ، نعافها و نكرهها
، إنما كنا نخرج في فسح المدينة ، و إنما كانت
النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن ، فخرجت
ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن
المطلب ابن عبد مناف و كانت أمها ابنة صخر بن
عامر بن كعب بن سعد بن تيم خالة أبي بكر الصديق
، قالت : فو الله إنها لتمشي معي إذ عثرت في
مرطها فقالت : تعس مسطح و مسطح لقب و اسمه عوف
قالت : فقلت : بئس لعمر و الله ما قلت لرجل من
المهاجرين ، و قد شهد بدراً ، قالت : أوما بلغك
الخبر يا بنت أبي بكر ، قالت : قلت : و ما الخبر
؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ، قلت
أو قد كان هذا ؟ قالت : نعم و الله لقد كان ،
قالت : فو الله ما قدرت على أن أقضي حاجتي
ورجعت ، فو
الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع
كبدي قالت : و قلت لأمي : يغفر الله لك ، تحدث
الناس بما تحدثوا يه ، و لا تذكرين لي من ذلك
شيئاً ، قالت : أي بنية خففي عليك الشأن ، فو
الله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها
لها ضرائر إلا كثرن ، و كثر الناس عليها ، قالت
: و قد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الناس فخطبهم ، و لا أعلم بذلك فحمد الله و
أثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ما بال رجال
يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحق ، و
الله ما علمت عليهم إلا خيراً ، و يقولون ذلك
لرجل ، والله ما علمت منه إلا خيرا ، و لا يدخل
بيتاً من بيوتي إلا و هو معي قالت : و كان كبر
ذلك عند عبد الله بن أبي ابن سلول . في رجال من
الخزرج مع الذي قال مسطح و حمنة بنت جحش ، و
ذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، و لم تكن امرأة من نسائه
تناصيني في المنزلة عنده غيرها ، فأما زينب
فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيراً ، و أما
خمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها ،
فشقيت بذلك ، فلما ، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير : يا
رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم ، و إن
يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فو
الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد
بن عبادة ، و كان قبل ذلك يرى رجلاً صالحاً
فقال : كذبت لعمر الله ، ما تضرب . أعناقهم ،
أما و الله ما قلت هذه المقالة إلا إنك قد عرفت
أنهم من الخزرج ؟ و لو كانوا من قومك ما قلت
هذا فقال : أسيد بن حضير كذبت لعمر الله ،
ولكنك منافق تجادل عن المنافقين . قالت : و
تثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من
الأوس و الخزرج شر ، و نزل رسول الله صلى الله
عليه وسلم فدخل علي فدعا علي بن أبي طالب
وأسامة بن زيد فاستشارهما ، فأما أسامة فأثنى
علي خيراً ، ثم قال : يا رسول الله أهلك و ما
نعلم منهم إلا خيراً ، و هذا الكذب و الباطل . و
أما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء
لكثير ، و إنك لقادر على أن تستخلف ، أرسل
الجارية فإنها ستصدقك . فدعا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بريرة يسألها قالت : فقام
إليها علي فضربها ضربا شديدا و يقول : أصدقي
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فتقول : و
الله ما أعلم إلا خيراً ، و ما كنت أعيب على
عائشة شيئاً إلا أني كنت أعجن عجيني فأمرها أن
تحفظه فتنام عنه ، فتأتي الشاة فتأكله . قالت :
ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم و
عندي أبواي ، و عندي امرأة من الأنصار ، و أنا
أبكي و هي تبكي ، فجلس فحمد الله و أثنى عليه
ثم قال : يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول
الناس ، فأتقي الله و إن كنت قد قارفت سوءاً
مما يقول الناس فتوبي إلى الله ، فإن الله
يقبل التوبة عن عباده . قالت : فو الله إن هو
إلا أن قال لي ذاك فقلص دمعي حتى ما أحس منه
شيئا ، وانتظرت أبواي أن يجيبا عني رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما . قالت : و أيم
الله لأنا أحقر في نفسي و أصغر شأناً من أن
ينزل الله في قراناً يقرأ به و يصلى به ، و
لكني كانت أرجو أن يرى النبي في نومه شيئاً
يكذب الله به عني ، لما يعلم من براءتي و يخبر
خبراً ، و أما قرآناً ينزل في فو الله لنفسي
كانت أحقر عندي من ذلك ، فالت : فلما لم أر أبوي
يتكتمان قلت لهما : ألا تجيبان رسول الله ؟
فقالا : و الله ما ندري بما نجيبه
. قالت
: و والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على
آل أبي بكر في تلك الأيام ، قالت : فلما
استعجما علي ، استعبرت فبكيت ؟ ثم قلت : و الله
لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً ، و الله إني
لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس ، و الله يعلم
أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ، و لئن أنا
أنكرت ما يقولون لا تصدقونني ، قالت : ثم
التمست اسم يعقوب فما أذكره ، فقلت : و لكن
سأقول كما قال أبو يوسف " فصبر جميل والله
المستعان على ما تصفون " قال : فو الله ما
برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى
تغشاه من الله ما كأن يتغشاه ، فسمجى بثوبه و
وضعت وسادة من أدم تحت رأسه
، فأما
أنا حين رأيت من ذلك رأيت ، فوا الله ما فزعت ،
و ما باليت ، قد عرفت أني بريئة ، و أن الله غير
ظالمي ، و أما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما
سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت
لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي من الله
تحقيق ما قال الناس . قالت : ثم سري عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس و انه ليتحدر
من و جهه مثل الجمان ، في يوم شات ، فجعل يمسح
العرق عن وجهه و يقول : أبشري يا عائشة قد أنزل
الله عز وجل براءتك .
قالت
: قلت : الحمد لله . ثم خرج إلى الناس فخطبهم و
تلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من القران في
ذلك ، ثم أمر بمسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و
حفنة بنت جحش وكانوا ممن أفص بالفاحشة فضربوا
حدهم .
و
قد ذكر ابن اسحاق أن حسان بن ثابت قال شعراً
يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن
تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدم
أوله هي :
أمسى
الـجلابيب قـد عــزوا و قـد كثــروا
وابــن
الفــريعة أمــسى بـيــضــة البـلـــد
قــد
ثـكـلــت أمــة مــن كـنـت صـاحـبـه
أو كــــــان
منـتـشيـاً فـي بــرثن الأســــد
مـا
لـقــتـــيـــلي الــذي أعـــدو فـآخــذه
مـن ديـــة فـيـه
يـعــطــــــاهـا و لا
أقـود
ما
البحــر حيــن تـهــب الــريح شــامية
فيـغـــطــئل و يــرمـي
العــبــر بالــزبــد
يـومـا
بـأغلـــب
مــني حــيـن
تــبـصرني
مـل غـيـظ أفـري كـفـري العـارض الــبرد
أمـــا
قــريـــش فــإنــي لا أســا لـمــهــا
حـتــى
يـنــيـبـوا
مـن الـغـيـات للـرشـــد
ويـتـــركـوا
الـــلات و الـعــزى بمـعـزلــة
و يسجــدوا كـلـهــم للــواحــد
الصـــمـــد
ويشهـــدوا
أن مــــا قال الرسـول لهم حق
فيـــــوفـــــوا بـحــــق الله و
الـــوكــــــد
فاعترضه
صفوان بن المعطل فضربه بالسيف و هو يقول :
تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر
وذكر
أن ثابت بن قيس بن شماس أخذ صفوان حين ضرب حسان
فشد و ثاقاً ، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال :
ما هذا ؟ فقال : ضرب حسان بالسيف . فقال عبد
الله : هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بشيء من ذلك ؟ قال : لا . فأطلقه ، ثم أتوا كلهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن المعطل
: يا رسول الله آذاني و هجاني ، فاحتملني الغضب
فضربته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا حسان أتشوهت على قومي إذ هداهم الله . ثم
قال : أحسن يا حسان فيما أصابك . فقال : هي لك يا
رسول الله . فعوضه منها بيرحاء التي تصدق بها
أبو طلحة و جارية قبطية ، يقال لها
: سيرين
، جاءه منها ابنه عبد الرحمن . قال : و كانت
عائشة تقول سئل عن ابن المعطل فوجد رجلاً
حصوراً ما يأتي النساء .
وقد قتل صفوان في غزوة أرمينية شهيداً ، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص سنة 19 هـ في خلافة عمر رضي الله عنه . وقد كان خيراً فاضلاً شجاعا بطلاً رضي الله عنه وأرضاه.